أيها السجان !

أيها السجان !
أنا الحر وأنت في القيد...
إخوتي وأخواتي، أصدقائي. رفيقاتي، عائلتي الحبيبة،
يوم 2012\10\25 وجهتُ رسالة لرئيس حكومة إسرائيل ووزير دفاعه، معلنا رفضي القاطع التجنيد في صفوف الجيش الإسرائيلي حسب قانون التجنيد الاجباري المفروض على ابناء طائفتي الدرزية، معلِّلا ذلك لأسباب ضميرية ووطنية، وأنّني أرفض أن أكون جزءا داعما لمؤسسة قَتَلت وشرَّدَت أبناء شعبي الفلسطيني وهدمت وطنه، وسلبت منه أرضه، فكررت مقولتي التي لم املّ من ترديدها: "لن أكون وقودا لنار حربكم ولن أكون جنديا في جيشكم".
انتشرت الرسالة في أنحاء العالم ولاقت اهتماما كبيرا من قبل وسائل اﻹعلام، وتأييدا عالميا، وأيضا هجوما من قبل بعض الجهات، وتعتيما اعلاميا في الاعلام العبري، وإصرارا من سلطات الجيش بتجاهل رسالتي الإنسانية، وإصرارهم على تجنيدي، فأرسلوا لي موعد التجنيد ليوم 2013\12\4.
في الموعد المحدد، (قبل197 يوما من الآن) قمتم يا رفاقي وشركائي في المسيرة بمرافقتي، جسدا وروحا، الى مكتب التجنيد في طبريا، حيث بدأتُ معركة رفض التجنيد الإجباري المفروض قسرا على أبناء الطائفة العربية الدرزية، هادفا وآملا الحصول على شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية، مفضِّلا السجن على حمل السلاح ضد شعبي.
لم يفاجئني السجن، وقاموا بسجني المرة تلو اﻷخرى محاولين كسر عزيمتي وتحطيم معنوياتي وتغيير قراري، حتى وصل بهم اﻷمر في المرة اﻷخيرة التي تواجدت فيها في السجن الى محاولة قتلي وعدم تقديم العلاج الطبي لي حين كنت بأمس الحاجة له، لكن دون جدوى، حيث وصلت للمستشفى في الدقيقة اﻷخيرة بين الحياة والموت.
سجنت 7 مرات لمدة 150 يوما ومنذ 46 يوما بين البيت والمستشفى، وقبل كل مرة يرسلونني بها الى السجن كانوا يسألونني السؤال ذاته: "لماذا ترفض الخدمة في صفوف جيش الدفاع الاسرائيلي؟؟ في النهاية إسمه "جيش دفاع".
جوابي كان دائما: "أرفض ﻷني جزء لا يتجزّأ من الشعب العربي الفلسطيني. أرفض ﻷنّ جيشَكم جيشُ احتلال. أرفض ﻷني صاحب مبدأ وضمير. أصنع السلام بآلتي الموسيقية وأرفض أن أبدِّلها بسلاح يولِّد الموت ولا يفرق بين طفل وامرأة ورجل ومسن، فكيف تطلبون مني أن أسجن وأقتل وأحتل أبناء شعبي؟ سلاحي الموسيقى ولن يكون لي سلاح آخر".
اخوتي واخواتي
خلال فترة سجني لمست التأييد الكبير وتأثرت. تأثرت للأطفال الموسيقيين الذين رفعوا الشعارات وصورهم الى جانب آلاتهم الموسيقية مطالبين بتحريري. تأثرت لكل كلمة او مقالة او تعليق عبر الشبكة الاجتماعية كتبت لي وللرافضين. تأثرت لاحتضان كل قوى السلام والديمقراطية في العالم وفي بلادنا لي ولعائلتي. تأثرت لكل مَن أَبْدع برسم صورة لي او شعار للرافضين. تأثرت لرؤية الشباب والصبايا الصغار والكبار يعتلون جبل الأسير (اسم أطلقه المتظاهرون على التلة المطلة على سجن عتليت العسكري حيث يقبع رافضو التجنيد في احدى المظاهرات التي نُظِّمت للمطالبة بإطلاق سراحي) وهم يهتفون ضد الاحتلال ويغنون للفرح والسلام. تأثرت من قيام مناضلين وأسرى حرية بتكريمي وهم الأحَقّ بالتكريم، فهم النور والضياء لكل طالب حرية. تأثرت حين لمست الحب الكبير الذي غمرني به ابناء شعبي المحاصر في فلسطين. تأثرت عندما وجدت الى جانبي طلاب حرية وعدل من القوى الديمقراطية اليهودية يتظاهرون دعما لقضيتي ويهتفون ضد الاحتلال.
لقد سجنت، واليوم أعرف ما معنى ان تَسجن إنسانا بدون أي وجه حق، لأنه يؤمن بقضية عادلة. اليوم بتّ اعرف ما معنى الاعتقال الإداري. هذا الاعتقال الذي يعطل كل اسس الديمقراطية والعدل، وإلا فليخبرني أي ديمقراطي ورجل قانون: ما معنى ان تعتقل أي انسان ولأية مدة قابلة للتجديد بدون ان تبيّن أسباب الاعتقال، وبدون ان توجه له أي تهمة، وبدون ان يكون له الحق بالمحاكمة او الدفاع عن نفسه؟ اليس هذا بالضبط هو عمل الأنظمة الظلامية؟ اليس هذا هو نهج الانظمة الدكتاتورية؟
اليوم اضمّ صوتي الى جميع القوى الشريفة والديمقراطية في العالم: اطلقوا سراح الاسرى المعتقلين الاداريين المضربين عن الطعام بشكل اسطوري مفضلين الموت على الذل. لا نريد استقبالهم شهداء. بل واضيف، لا يمكن لأي سلام كان ان يتحقق وهناك اسير امني واحد في السجون، كما لا يمكن تحقيق السلام وآلة القتل مستمرة في حصد الشباب. لا يمكن تحقيق السلام والمستوطنات تُبنى وتَنْتشر كسرطان الذي سيقضي على أي احتمال بالعيش.
في سجني كان لديّ بعض الوقت لكي أقرأ، وقد فرحت لقراءة رواية " زمن الخيول البيضاء" للكاتب المبدع ابراهيم نصرالله، ورواية "الغشوة" للكاتب والعم المبدع ابن المغار راضي شحادة، والتي علَّمتني عن واقعنا الفلسطيني وما معنى الرقص بين حبات المطر، وما معنى ان تكون فلسطينيا بامتياز، الى جانب العديد من الروايات. هذه الروايات مدّتني بالقوة والمعنويات وعلمتني كيف أقتل الوقت في أمور مفيدة.
اخوتي واخواتي
لن يتسع المجال لذكر كل من وقف الى جانبي، ولكن اسمحوا لي ان اذكر بشكل خاص لجنة المبادرة العربية الدرزية، مدرستي وبيتي الذي خرَّج معظم الرافضين منذ اكثر من 40 سنة بدون ان ينتظر كلمة شكر او وسام او ضجة اعلامية وبضع دقائق على الشاشة الكبيرة. 
اسمحوا لي ان اذكر الكاتب محمد نفاع، والشاعر سميح القاسم، والشاعر نايف سليم والشهيد عاصم الخطيب والشيخ الكبير المرحوم فرهود فرهود وباقي الاخوة الذين صاغوا بداية الرفض، وارجوا أن لا نتوقف عند الامور الصغيرة، بل ان نعمل على كتابة التاريخ الشريف الذي بات يتسابق عليه الجميع.
اسمحوا لي ان أشكر "بروفيل حداش" على دعمه المعنوي والقانوني بواسطة المحامية الاخت روان اغبارية، والتي قامت بجهود كبيرة رغم العراقيل التي وُضعت امامها كمنعها من زيارتي، وكذلك طاقم المحامين من مكتب المحامية "سمدار بن ناتان"، والمتدربة "عدي لرنر"، كما أشكر المحامي "ميخائيل سباراد" الذي استشرناه في مختلف المواضيع القانونية. وأشكر مؤسسة عدالة وأمنستي وجميع جمعيات حقوق الانسان التي وقفت الى جانبي.
أشكر حركة "يوجد حد" وجميع التنظيمات والاحزاب السياسية التي تجندت للمظاهرات واصدرت البيانات من اجل إطلاق سراحي، وأخص بالذكر الشبيبة الشيوعية والجبهة الديمقراطية.
شكر خاص لجميع وسائل الاعلام الاجنبية والمحلية التي غطت قضية رفضي الخدمة.
أشكر أعضاء البرلمان الذين وقفوا الى جانبي من جميع انحاء العالم ومنطقتنا، وفي الختام، أشكر جميع الرافضين الذين سبقوني والذين واكبوني والذين أتوا من بعدي، فقد تعلمت منهم معنى الصبر والنضال.
شكرا لكم جميعا وأتمنى الا أخيّب ظنكم وان أستطيع ان اردّ بعضا من لطفكم وحبكم وعطفكم وكرمكم.
إبنكم،
عمر زهرالدين محمد سعد